17-الشاعر المغنى



كان حُنَين شاعراً مُغَنِّيناً فحلاً من فحول المغنِّين[1]. وكان نصرانياً يسكن الحِيرة[2]، ولم يكن بالعراق غيره، فاستولى عليه في عصره. 
وقَدِم ابنُ مُحْرِز المغني إلى الكوفة، فبلغ خبرُه حُنَيْناً، فخشي أن يعرفه الناسُ فَيَسْتَحْلُوه ويستوليَ على البلد فيسقُط هو. فتلطّف له حتى دعاه، فغنّاه ابنُ مُحرز لحناً، فسمع ما هاله وحيّره. فقال له حنين:
"كم مَنَّتْك نفسك من العراق؟"

قال: "ألفَ دينار."

فقال: "فهذه خمسمائة دينار عاجلة، فخُذها وانصرف، واحلف لي أنك لا تعود إلى العراق."

وكان ابنُ مُحْرِز صغير الهمّة، لا يحبّ عِشرة الملوك، ولا يُؤْثر على الخَلْوة شيئاً. فأخذها وانصرف.

ثم قدم الحِيرةَ ابن سُريج المغني ومعه ثلاثمائة دينار. فأتى بها منزل حُنين، وقال:
"أنا رجل من أهل الحجاز، بلغني طِيبُ الحيرة وجَودة خمرها، وحُسن غنائك، فخرجت بهذه الدنانير لأنفقها معك وعندك، ونتعاشر حتى تنفذ وأنصرف."

فسأله حنين عن اسمه ونَسَبه، فَغَيرَّهما، وانتمى إلى مخزوم. فأخذ حنين المال منه وقال:
"مُوَفَّرُ مالُك عليك، ولك عندنا كلُّ ما يحتاج إليه متلُك ما نَشِطْتَ للمُقام عندنا، فإذا دَعَتْكَ نفسُك إلى بلدك جَهَّزناك إليه، ورددنا عليك مالك."

وأسكنه داراً كان ينفرد فيها، فمكث عنده شهرين لا يعلم حنين ولا أحد من أهله أنه يُغَنّي، حتى انصرف حنين من دار الوالي في يوم صائف مع قيام الظَّهيرة، فصار إلى باب الدار التي كان أَنزل ابنَ سُريج فيها، فوجده مغلقاً. فارتاب بذلك، ودقَّ الباب فلم يُفتح له ولم يُجبه أحد.

فصار إلى منازل الحُرَم فلم يجد فيها ابنتَه ولا جواريها، ورأى ما بين الدار التي فيها الحُرَم ودار ابن سُريج مفتوحاً. فانتضى سيفه ودخل الدار ليقتل ابنته، فلما دخلها رأى ابنته وجواريها وقوفاً على باب السرداب وهنَّ يُومِئْنَ إليه بالسكوت وتخفيف الوطء. فلم يلتفت إلى إشارتهن لِمَا تدخله، إلى أن سمع تَرَنُّم ابن سريج. فألقى السيف من يده، وصاح به ـ وقد عرفه من غير أن يكون رآه، ولكن بالنَّعْت والحِذْق:
"أبا يحي، جُعلتُ فداءك، أتيتنا بثلاثمائة دينار لتنفقها عندنا في حِيرتنا! فوحقِّ المسيح لا خرجتَ منها إلا ومعك ثلاثمائة دينار وثلاثمائة دينار وثلاثمائة دينار، سوى ما جئت به معك!"

ثم دخل عليه فعانقه ورحّب به، ثم صار معه إلى الوالي فوصَلَه بعشرين ألف درهم.

وكان المغنون في ذلك العصر ربعة نفر: ثلاثة بالحجاز هم ابن سريج والغَرِيض ومَعْبَد، وحُنين وحده بالعراق. 

فاجتمع الثلاثة بالحجاز فتذاكروا أمر حنين، وقالوا: 
"ما في الدنيا أهلُ صناعة شرّ منا؛ لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز، لا نزوره ولا نستزيره[3]؟!"

 فكتبوا إليه، ووجّهوا إليه نفقة، وكتبوا يقولون:
"نحن ثلاثة وأنت وحدكَ، فأنت أولى بزيارتنا."

فَشَخَص إليهم[4]. فلما كان على مرحلة من المدينة بَلَغَهم خبرُه، فخرجوا يتلقَّوه. 

ودخلوا المدينة، فلما صاروا في بعض الطريق قال لهم معبد: 
"صِيروا إليَّ."
 فقال له ابن سريج:
" إن كان لك من الشرف والمروءة مثلُ ما لمولاتي سُكَينة بنت الحسين عَطَفْنا إليك."
 فقال: "ما لي من ذلك شيء." وعَدَلوا إلى منزل سكينة. فلما دخلوا إليها أَذِنَت للناس إِذْناً عاماً، فَغَصَّت الدارُ بِهم ليسمعوه، وصعِدوا فوق السطح وازدحموا عليه، فسقط الرِّواق على مَن تحته فمات حنينُ تحت الهدم.


 
من كتاب " الاغانى " لأبى فرج الأصفهانى



[1] من فحول المغنين: من عظمائهم.
[2] الحِيرة: بلدة في العراق بين النجف والكوفة.
[3] نستزيره: نطلب منه زيارتنا.
[4] شخص إليهم :رحل قاصاً اياهم




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.