ثياب الحداد .. و السرادق .. و الموسيقى .. و المباخر .. و الفراشون بملابسهم المسرحية : و نحن كأننا
نتفرج على رواية .. و لا نصدق و لا أحد يبدو عليه أنه يصدق..
حتى المشيعين الذين يسيرون خلف الميت لا يفكرون إلا في المشوار.
و أولاد الميت لا يفكرون إلا في الميراث.
و الحانوتية لا يفكرون إلا في حسابهم.
و المقرئون لا يفكرون إلا في أجورهم..
و كل واحد يبدو أنه قلق على وقته أو صحته أو فلوسه..
و كل واحد يتعجل شيئاً يخشى أن يفوته .. شيئاً ليس الموت أبداً.
إن عملية القلق على الموت بالرغم من كل هذا المسرح التأثيري هي مجرد قلق على الحياة..
لا أحد يبدو أنه يصدق أو يعبأ بالموت .. حتى الذي يحمل النعش على أكتافه.
الخشبة تغوص في لحم أكتافه .. و عقله سارح في اللحظة المقبلة و كيف يعيشها..
الموت لا يعني أحداً .. و إنما الحياة هي التي تعني الكل.
نكتة.. !
من الذي يموت إذاً ؟..
الميت ؟..
و حتى هذا .. لا يدري مصيره..
إن الجنازة لا تساوي إلا مقدار الدقائق القليلة التي تعطل فيها المرور و هي تعبر الشارع..

و هي عطلة نتراكم فيها العربات على الجانبين .. كل عربة تنفخ في غيرها في قلق . لتؤكد مرة أخرى
أنها تتعجل الوصول إلى هدفها .. و أنها لا تفهم .. هذا الشيء الذي اسمه الموت.ما الموت .. و ما حقيقته..
و لماذا يسقط الموت من حسابنا دائماً . حتى حينما نواجهه.
* * *
لأن الموت في حقيقته حياة.
و لأنه لا يحتوي على مفاجأة..
و لأن الموت يحدث في داخلنا في كل لحظة حتى و نحن أحياء..
كل نقطة لعاب .. و كل دمعة .. و كل قطرة عرق .. فيها خلايا ميتة .. نشيعها إلى الخارج دون
احتفال..
ملايين الكرات الحمر تولد و تعيش و تموت .. في دمنا .. دون أن ندري عنها شيئاً .. و مثلها الكرات
البيض .. و خلايا اللحم و الدهن و الكبد و الأمعاء .. كلها خلايا قصيرة العمر تولد و تموت و يولد
غيرها و يموت .. و تدفن جثثها في الغدد أو تطرد في الإفرازات في هدوء و صمت .. دون أن نحس أن
شيئاً ما قد يحدث.
مع كل شهيق و زفير .. يدخل الأكسجين .. مثل البوتوجاز إلى فرن الكبد فيحرق كمية من اللحم و
يولد حرارة تطهي لنا لحماً آخر جديداً نضيفه إلى أكتافنا.
هذه الحرارة هي الحياة..
و لكنها أيضاً احتراق .. الموت في صميمها .. و الهلاك في طبيعتها.
أين المفاجأة إذن و كل منا يشبه نعشاً يدب على الساقين .. كل منا يحمل جثته على كتفيه في كل لحظة
..
حتى الأفكار تولد و تورق و تزدهر في رؤوسنا ثم تذبل و تسقط .. حتى العواطف .. تشتعل و تتوهج
في قلوبنا ثم تبرد .. حتى الشخصية كلها تحطم شرنقتها مرة بعد أخرى .. و تتحول من شكل .. إلى
شكل..
إننا معنوياً نموت و أدبياً نموت و مادياً نموت في كل لحظة.
و لأنه لا يحتوي على مفاجأة..
و لأن الموت يحدث في داخلنا في كل لحظة حتى و نحن أحياء..
كل نقطة لعاب .. و كل دمعة .. و كل قطرة عرق .. فيها خلايا ميتة .. نشيعها إلى الخارج دون
احتفال..
ملايين الكرات الحمر تولد و تعيش و تموت .. في دمنا .. دون أن ندري عنها شيئاً .. و مثلها الكرات
البيض .. و خلايا اللحم و الدهن و الكبد و الأمعاء .. كلها خلايا قصيرة العمر تولد و تموت و يولد
غيرها و يموت .. و تدفن جثثها في الغدد أو تطرد في الإفرازات في هدوء و صمت .. دون أن نحس أن
شيئاً ما قد يحدث.
مع كل شهيق و زفير .. يدخل الأكسجين .. مثل البوتوجاز إلى فرن الكبد فيحرق كمية من اللحم و
يولد حرارة تطهي لنا لحماً آخر جديداً نضيفه إلى أكتافنا.
هذه الحرارة هي الحياة..
و لكنها أيضاً احتراق .. الموت في صميمها .. و الهلاك في طبيعتها.
أين المفاجأة إذن و كل منا يشبه نعشاً يدب على الساقين .. كل منا يحمل جثته على كتفيه في كل لحظة
..
حتى الأفكار تولد و تورق و تزدهر في رؤوسنا ثم تذبل و تسقط .. حتى العواطف .. تشتعل و تتوهج
في قلوبنا ثم تبرد .. حتى الشخصية كلها تحطم شرنقتها مرة بعد أخرى .. و تتحول من شكل .. إلى
شكل..
إننا معنوياً نموت و أدبياً نموت و مادياً نموت في كل لحظة.

و أصدق من هذا أن نقول أننا نعيش . مادياً نعيش و أدبياً نعيش و معنوياً نعيش .. لأنه لا فرق يذكر
بين الموت و الحياة .. لأن الحياة هي عملية الموت.
لأن الأوراق التي تنبت من فروع الشجرة .. ثم تذبل و تموت و تسقط .. و ينبت غيرها .. و غيرها ..
هذه العملية الدائبة هي الشجرة..
لأن الحاضر هو جثة الماضي في نفس الوقت.
لأن الحركة هي وجودي في مكان ما و انعدامي من هذا المكان في نفس اللحظة . فبهذا وحده أمشي و
أتحرك .. و تمضي معي الأشياء..
لأن الحياة ليست تعادلية , و لكنها شد و جذب و صراع بين نقيضين , و محاولة عاجزة للتوفيق بينها في
تراكيب واهية هي في ذاتها في حاجة للتوفيق بينها .. مرة .. و مرة و مرات .. بدون نهاية و بدون نجاح
أبداً .. و بدون الوصول إلى أي تعادلية..
الحياة ليست تعادلية بين الموت و الوجود و لكنها اضطراب بين الاثنين و صراع يرفع أحدهما مرة و
يخفضه مرة أخرى.
الحياة أزمة .. و توتر..
و نحن نذوق الموت في كل لحظة .. و نعيشه .. فلا نضطرب بل على العكس .. نحس بكياننا من خلال
هذا الموت الذي داخلنا .. و نفوز بأنفسنا , و ندركها , و نستمتع بها..
و لا نكتفي بهذا. بل ندخل في معركة مع مجتمعنا .. و ندخل في موت و حياة من نوع آخر . موت و
حياة على نطاق واسع تتصارع فيه مجتمعات و نظم و تراكيب إنسانية كبيرة.
و من خلال هذا الصراع الأكبر . نحس بأنفسنا أكثر .. و أكثر .. إنها ليست خلايا تتولد و تموت في
جسد رجل واحد . و لكنها أيضاً مجموعات بشرية تولد و تموت في جسم المجتمع كله.
إنها الموت يحدث على مستويات أكبر.
الموت إذن حدث دائب مستمر .. يعتري الإنسان و هو على قدميه و يعتري المجتمعات و هي في عنفوانها
.
و هو في نسيج الإنسان .. في جسده .. و في كل نبضة ينبضها قلبه مهما تدفقت بالصحة و العافية.
و بالموت تكون الحياة .. و تأخذ شكلها الذي نحسه و نحياه .. لأن ما نحسه و نحياه هو المحصلة بين
القوتين معاً .. الوجود و العدم و هما يتناوبان الإنسان شداً .. و جذباً.
ما السر إذن في هذه الدهشة التي تصبينا حينما يقع أحدنا ميتاً.

و لماذا يبدو لنا هذا الحديث .. غير معقول , غير قابل للتصديق.
و لماذا نقف مشدوهين أمام الحادث نكذّب عيوننا .. و نكذّب حواسنا و نكذّب عقولنا .. ثم نمضي ..
و قد أسقطنا كل شيء من حسابنا .. وصرفنا النظر .. و اعتبرنا ما كان .. واجباً .. و لباقة . و مجاملة
.. أديناها و انتهينا منها.
لماذا لا نحمل هذا الحادث على محمل الجد..
ولماذا نرتجف من الرعب حينما نفكر فيه .. و تنخلع قلوبنا حينما نصدقه و تضطرب حياتنا حينما ندخله في حسابنا و نضعه موضع الاعتبار.
السبب أنه الحادث الوحيد المصحوب برؤية مباشرة .. فما يحدث داخلنا من موت لا نراه .. لا نرى كرات الدم و هي تولد و تموت .. لا نرى الخلايا و هي تحترق .. لا نرى صراع الميكروبات و هي تقتلنا و نقتلها..
و خلايانا لا ترى نفسها و هي تفنى..
كل ما يحدث في داخلنا يحدث في الظلام .. و نحن ننام ملء جفوننا و قلوبنا تدق بانتظام و تنفسنا يتردد
في هدوء.
الموت يسترق الخطى كاللص تحت جنح الليل .. و يمشي على رؤوسنا فتبيض له شعراتنا .. شعرة ..
شعرة .. دون أن نحس .. لأن دبيبه و هو يمشي هو دبيب الحياة نفسها.
إن أوراق الشجر تتساقط و لكن الشجرة تظل مائلة للعيان دائمة الخضرة دائمة الازدهار .. تظل هكذا
حتى تهب عاصفة تخلعها من جذورها وتلقي بها في عرض الطريق..
و حينئذ فقط يبدو منظرها قاتماً يبعث على التشاؤم .. تبدو فروعها معروفة عارية .. و جذورها نخرة ..
و أوراقها مصفرة..
لقد انتهت .. لم تعد شجرة .. أصبحت شيئاً آخر .. أصبحت خشباً.
و هذا ما يحدث .. حينما نشاهد الإنسان و هو يسقط جثة هامدة.
إنه يبدو شيئاً آخر و يبدو الحادث الذي حدث فجأة .. حادثاً غريباً بلا مقدمات..
لقد انتهى الإنسان كله فجأة..
و يبدأ العقل في التساؤل..
هل أنتهي أنا أيضاً كلي فجأة كما انتهى ذلك الإنسان .. و كيف و لا شيء في إحساسي يدل على
هذه النهاية أبداً.
كيف يحدث هذا .. و أنا جياش بالرغبة . ممتلئ بالإرادة .. بل أنا الامتلاء نفسه.

كيف يتحول الامتلاء إلى فراغ .. و فجوة.
أنا .. أنا ؟ .. !الذي أحتوي على الدنيا .. كيف أنتهي هكذا و أصبح شيئاً تحتوي عليه الدنيا.
أنا ؟..
إن كلمة .. أنا .. كلمة كهربائية .. إنها كالضوء أرى بها كل شيء .. و لا يستطيع شيء أن يراها ..
إنها أكبر من أي كلمة أخرى و أكبر من أي حقيقة .. لأن بها تكون الحقائق حقائق..
إنها فوق كل شيء و فوقي أنا أيضاً لأنها تراني و تشعر بي..
إنها مصدر الإشعاع كله .. و حيث يتمثل لي هذا المنظر المفجع الذي يلقى فيه الإنسان مصرعه .. فهي
فوق هذا المنظر أيضاً .. لأنها تراه .. و فوق الطبيعة .. و فوق قوانينها .. و فوق ظواهرها.
أنا الموت..!
من أنا
ومن هذا الذي مات..
إنه بعض مني .. منظر ملايين المناظر الذي تعبر خاطري . فكيف أموت أنا أيضاً..
إن التساؤل ما يلبث أن يتحول على تمزق فظيع يحطم فيه المنطق نفسه بنفسه .. و يصطدم باستحالات لا
حل لها..
و هكذا تبدأ المشكلة الأزلية..
لغز الموت..
إن مصدر اللغز هو هذا الموقف الذي ينتقل فيه العقل من رؤية مباشرة للموت إلى استنتاج مباشر عن
موته هو أيضاً .. و هو أبو الأشياء .. و نظامها .. و تفسيرها .. و نورها.
و لكنه يعود فيقول:
لا..
إن الذين يموتون هم الآخرون.
إن التاريخ كله لا يروي قصة واحدة عن موت ال .. أنا..
إن الموضوعات تتغير و تتبدل و تولد و تذبل و تموت و الآخرون يموتون.
أنا أنا .. هذه ال أنا .. لا توجد سابقة واحدة عن موتها.
أنا من مادة أخرى غير كل هذه الموضوعات .ز و لهذا أمسك بها و أتناولها و أفهمها .. و لا أستطيع أن
أمسك بنفسي و أنا أتناولها و أفهمها.
أنا .. أنا ؟ .. !الذي أحتوي على الدنيا .. كيف أنتهي هكذا و أصبح شيئاً تحتوي عليه الدنيا.
أنا ؟..
إن كلمة .. أنا .. كلمة كهربائية .. إنها كالضوء أرى بها كل شيء .. و لا يستطيع شيء أن يراها ..
إنها أكبر من أي كلمة أخرى و أكبر من أي حقيقة .. لأن بها تكون الحقائق حقائق..
إنها فوق كل شيء و فوقي أنا أيضاً لأنها تراني و تشعر بي..
إنها مصدر الإشعاع كله .. و حيث يتمثل لي هذا المنظر المفجع الذي يلقى فيه الإنسان مصرعه .. فهي
فوق هذا المنظر أيضاً .. لأنها تراه .. و فوق الطبيعة .. و فوق قوانينها .. و فوق ظواهرها.
أنا الموت..!
من أنا
ومن هذا الذي مات..
إنه بعض مني .. منظر ملايين المناظر الذي تعبر خاطري . فكيف أموت أنا أيضاً..
إن التساؤل ما يلبث أن يتحول على تمزق فظيع يحطم فيه المنطق نفسه بنفسه .. و يصطدم باستحالات لا
حل لها..
و هكذا تبدأ المشكلة الأزلية..
لغز الموت..
إن مصدر اللغز هو هذا الموقف الذي ينتقل فيه العقل من رؤية مباشرة للموت إلى استنتاج مباشر عن
موته هو أيضاً .. و هو أبو الأشياء .. و نظامها .. و تفسيرها .. و نورها.
و لكنه يعود فيقول:
لا..
إن الذين يموتون هم الآخرون.
إن التاريخ كله لا يروي قصة واحدة عن موت ال .. أنا..
إن الموضوعات تتغير و تتبدل و تولد و تذبل و تموت و الآخرون يموتون.
أنا أنا .. هذه ال أنا .. لا توجد سابقة واحدة عن موتها.
أنا من مادة أخرى غير كل هذه الموضوعات .ز و لهذا أمسك بها و أتناولها و أفهمها .. و لا أستطيع أن
أمسك بنفسي و أنا أتناولها و أفهمها.

أنا فوق متناول الجميع .. و فوق متناولي أنا أيضاً .. و فوق متناول القوانين و الظواهر..
هناك حلقة مفقودة..
و هي تفتح باباً تدخل منه الفلسفة .. و يتسلل منه الفكر .. و لكنه باب ضيق .. ضيق جداً .. يؤدي
إلى سراديب أغلبها مغلقة و رحلة الفكر في هذه السراديب مخيفة مزعجة و لكنها تثير الاهتمام.
و أي شيء يبعث الاهتمام أكثر من الحياة .. والمصير .. و من أين .. و إلى أين .. و كيف.
هناك حلقة مفقودة..
و هي تفتح باباً تدخل منه الفلسفة .. و يتسلل منه الفكر .. و لكنه باب ضيق .. ضيق جداً .. يؤدي
إلى سراديب أغلبها مغلقة و رحلة الفكر في هذه السراديب مخيفة مزعجة و لكنها تثير الاهتمام.
و أي شيء يبعث الاهتمام أكثر من الحياة .. والمصير .. و من أين .. و إلى أين .. و كيف.
الحب قصة جميلة .. الموت مؤلفها..
الحياة حرارة .. و احتراق .. الموت نسيجها .. و الهلاك صميمها.
أجسادنا تتساقط و هي تمشي .. في كل لحظة هناك شيء يتساقط منها..
و كلما حياتنا كلما تآكلت في نفس الوقت..
العدم كامن في الوجود .. كامن في أجسادنا .. كامن في إحساساتنا و مشاعرنا..
الخوف .. الشك .. التردد .. القلق .. الكسل .. التراخي .. اليأس .. القنوط .. كل هذه علامات
سكون في الشعور .. كلها إحساسات عدمية تفسيرها الوحيد أن هناك فجوة في تكويننا .. فجوة نراها
بعين الشعور فنخاف و نجزع و نقلق..
فجوة نطل عليها من داخلنا و إن كنا لا نراها بعيننا الواعية .. و لا نتذكرها إلا حينما يقال لنا .. فلان
مات.
مات .. ؟! مات ازاي ده كان لسه سهران معانا امبارح لنص الليل .. شيء عجيب..
و نمصمص شفاهنا .. ثم ننسى كل شيء و نعود إلى حياتنا الآلية .. و لكن عيننا الداخلية تظل مطلة
على هذه الفجوة .. و باطننا يظل يرتجف بهذا القلق المبهم..
الموت بالنسبة لكل منا .. أزمة .. و سؤال .. يبعث على الدهشة و القلق .. والذعر.
و لكنه بالنسبة للكون شيء آخر.
إنه بالنسبة للكون ضرورة و فضيلة .. و خير..
الموت و الحياة حينما ننظر لهما من بعيد .. و هما يعملان في الكون يظهران و هما يخلقان الواقع.
الموت يبدو مكملاً للحياة .. يبدو كالبستاني الذي يقتلع النباتات الفاسدة و يسوي الأرض و يحرثها
ليفسح المجال للبذور الصغيرة الرقيقة لتطرح ثمارها.
يبدو كالرسام الذي يمحو بفرشاته خطاً ليثبت على اللوحة خطاً جديد أفضل منه.
يبدو خالقاً في ثوب هدام .. فهو يهدم حائط الجسد .. لأن خلف الحائط يوجد ماء الحياة الجاري.
حاول أن تتخيل الدنيا بلا موت .. الدنيا من أيام آدم .. و المخلوقات و هي تتراكم فيها .. و لا تموت

الناس .. و الذباب .. و الضفادع .. و الحشائش .. و الديدان .. و هي تتراكم .. و يصعد بعضها على
أكتاف بعض .. حتى تسد عين الشمس..
إن الحياة تبدو شيئاً كالاختناق..
إن الكائن الحي يحب نفسه فقط .. و يحب اللحظة الصغيرة التي يعيشها و لهذا يكره الموت .. و لكن
الموت يحب كل اللحظات و يحب الزمن .. و يحب المستقبل .. و لهذا يتساقط الناس من غرباله كالنشارة
ليقوم على أشلائهم ناس آخرون أحسن منهم و هكذا دواليك.
الموت هو عملية المونتاج التي تعمل في الشريط الوجودي كله فتقصه إلى عدة لقطات واقعية .. كل منها له عمر محدود..
و الموت يخلق واقع الأشياء الجامدة أيضاً كما يخلق واقع المخلوقات الحية.
الأشياء الجامدة لها نهاية .. و العين تدركها لأن لهانهاية .. نهاية في الطول و العرض و العمق .. و لو
كانت لا نهائية في طولها و عرضها و عمقها لاختفت .. و لأصبحت عالية في الإدراك .. غير موجودة
..
إن التناهي هو الذي يوجدها..
و التناهي هو الموت.
كل ما في الكون من إنسان و حيوان و نبات و جماد إذن متناهٍ له حدود .. الموت يأكل أطرافه .. و
يقص حواشيه .. و يبرزه .. و يوجده و يخلقه في نفس الوقت..
الموت فضيلة و خير بالنسبة للكون كله لأن به تكون الأشياء موجودة و تكون المخلوقات مضطربة
بالشعور و الحياة.
و لكنه شر الرذائل بالنسبة للإنسان الفرد .. بالنسبة لك أنت .. و لي أنا .. لأنه ينفقنا كضرائب إنشاء
و تعمير .. و يقدمنا قرابين على مذبح الوجود.
و نحن لا نفهم هذا النوع من القربان .. و لا نستطيع أن نفهمه لأنه قربان فظيع .. و تضحية معناها أن
نموت و نهلك.
نحن نعيش في مأساتنا الشخصية .. و نرى الموت كفجوة تفغر فاها تحت أقدامنا فنتشبث بأي شيء نجده
حولنا .. و نتشبث بها و نحتمي من الجرف الذي ينهار تحتنا.
و نبصر بالمرأة تمد لنا يديها و قلبها و جسدها .. و تتراقص مثل كوبري عائم على نهر الفناء .. فنهرع
إليها محاولين النجاة .. و نشعر بجنون اللذة و السرور و الفرح و نحن بين ذراعيها .. نشعر بأننا نولد من جديد .. و نبعث .. و نهرب من المصير..

و نموت .. و لكن بعد أن نكون قد زرعنا صورتنا في جسدها و قمنا بتهريب جزء من وجودنا عبر هذا
الكوبري الجميل من اللحم و الدم .. الذي مدته لنا مع ابتسامتها.
إن الحب كله قصة جميلة .. مؤلفها الموت نفسه .. و ليس الحب فقط .. بل كل العواطف و التروات و
المخاوف و الآمال و شطحات الخيال و الفكر و الفن و الأخلاق .. كل هذه القيم العظيمة تدين
للموت بوجودها.
أعطني أي مثال أخلاقي .. و أنا أكشف لك عن الموت في مضمونه.
الشجاعة قيمتها في أنها تتحدى الموت.
و الإصرار قيمته في أنه يواجه الموت .. و هكذا كل مثل أخلاقي .. قوته في أنه يواجه مقاومة .. و هو
ينهار .. و ينهار مضمونه حينما لا تكون هناك مقاومة في مواجهته.
الفنان و الفيلسوف و رجل الدين ثلاثة يقفون على بوابة الموت..
الفيلسوف يحاول أن يجد تفسيراً..
و رجل الدين يحاول أن يجد سبيلاً للاطمئنان..
و الفنان يحاول أن يجد سبيلاً إلى الخلود .. يحاول أن يترك مولوداً غير شرعي على الباب يخلد اسمه ..
قطعة موسيقية أو تمثالاً أو قصة أو قصيدة.
كلنا يخلقنا الموت .. الموت المدهش.
لو لم نكن نموت لما شعرنا بالحب .. فما الحب إلا هيستريا التشبث و التعلق بالحياة .. و محاولة تهريبها
كالمخدرات في بطون الأمهات.
و ما الداعي إلى أخلاق في مجتمع من الخالدين .. إن الأخلاق هي الخرسانة و المسلح الذي ندعم به
بيوتنا المنهارة .. و نمسك به هياكلنا الفانية .. فإذا كنا من الخالدين لا نمرض و لا نموت و لا نضعف و
لا يصيبنا شر فما لزوم الأخلاق.
إن كل ما هو جميل و خير و حسن في مجتمعنا خارج من هذه الفجوة .. الموت.
و كل ما هو جميل في إنسانيتنا خارج من هذه الفجوة أيضاً.
إن حياتنا غير منفصلة عن موتنا .. فكل منهما مشروط بالآخر.
و الأصدق أن نقول أنه لا توجد حالتان .. حياة و موت .. و لكن حالة واحدة هي الصيرورة .. حالة
متناقضة في داخلها و محتوية على الاثنين معاً : الحياة و الموت..
حالة متحركة نابضة صائرة من حياة إلى موت و من موت إلى حياة و في كل لحظة منها تحمل
الجرثومتين , جرثومة نموها و جرثومة فنائها في نفس الوقت.

و هما جرثومتان لا هدنة بينهما .. و لا تعادل و إنما صراع و توتر و تمزق و شرر متطاير مثل الشرر
الذي يتطاير من قطبي الكهرباء السالب و الموجب حينما يلتقيان .. و هما مثلهما أيضاً .. تبعثان حرارة
و نوراً .. هما العاطفة و الوعي اللذان يندلعان في عقل الإنسان الذي يعيش هذا الصراع بسالبه و موجبه
..
و هو الصراع يبدو فيه العنصر الموجب أقوى من السالب .. و تبدو الحياة غلابة صاعدة منتصرة..
* * *
كلام جميل .. و لكنه مع هذا كله لا يجعل الموت جميلاً في عيوننا.
إنه يفشل حتى في الاعتذار لنا عن عزرائيل و أفعاله .. حتى و لو كانت في صالح الكون .. فمالنا و
الكون .. نحن كون في ذاتنا .. و عزرائيل ينتهك أطهر حرماتنا , نفوسنا .. أنا .. و أنت.
إن أجمل اللحظات في حياتي هي التي أقول فيها .. أنا فعلت .. أنا قدمت .. أنا أنجزت .. أنا اخترعت
..أنا .. أنا..
لا يوجد شيء في وجودي .. أو وجودك .. أغلى من هذه الكلمة الصغيرة .. أنا .. فكيف يمكن أن
أتصور أن أموت..
إني أستطيع إحداث الموت .. أستطيع أن أقتل و أن أنتحر..
كيف يكون الموت أحد اختراعاتي ؟؟ ز أكون أنا أحد ضحاياه في نفس الوقت.
أين اللغز الحقيقي .. أهو الموت .. أم هو هذه الكلمة الصغيرة .. أنا ؟..

أنا
أنا من الخارج لي حدود لي سقف
أنا من الخارج لي حدود لي سقف
ينتهي عنده جسدي .. و لكني من
الداخل بلا سقف ...
و لا قاع...
الداخل بلا سقف ...
و لا قاع...
أنا .. كلمة ظريفة .. لا يوجد أظرف منها في الدنيا .. إنها أغنية..
إنها تدخل في أي جملة فتجعلها جملة مفيدة مهمة .. و تدخل في أي موضوع فتجعله موضوع الساعة ..
لأنه أصبح موضوعي أنا .. و فلوسي أنا .. و حبيبي أنا .. و روحي أنا .. و روحي أنا .. و قلبي أنا ؟
و لكن أنا .. ؟ .. من أنا .. ؟
هل حاول أحدكم أن يسأل نفسه هذا السؤال..
من أنا ؟..
أنا فلان .. فلان أيه .. فلان ابن فلان .. يعني أيه .. مجرد ألفاظ .. مجرد رموز أو إشارات تدل على
حقيقتي .. طيب و أيه هي حقيقتي ؟..
وهنا يبدأ اللغز.
ما هي حقيقتي ؟..
إني أحاول أن أمسك بوجودي وأكتشفه و أفحصه كما أفحص هذه المحبرة فأجد أنه لا وجود بلا قاع
..وجود مفتوح من الداخل على إمكانيات لا نهاية لها .. و ألقي بحصاة في هذا البئر الداخلي فلا أسمع
لها صوتاً .. لأنها تهوي و تهوي إلى أعماق بلا آخر..
أنا من الخارج لي حدود .. ينتهي طولي عند 170 سنتيمتر..

أعماق .. و أفكار و صور و أحاسيس و رغبات لا تنتهي أبداً إلا لتبدأ من جديد كأنها متصلة بينبوع لا
نهائي .. و هي أعماق في تغير دائم و تبدل دائم .. بعضها يطفو على السطح فيكون شخصيتي و بعضها
ينتظر دوره في الظلام..
و أنا في الخارج أتبدل أيضاً .. الواقع يكشط هذه القشرة التي تطفو خارجي فتطفو قشرة أخرى من
عقلي الباطن محلها..
و كلما أمسكت بحالة من حالاتي و قلت هذا هو أنا .. ما تلبث هذه الحالة أن تفلت من أصابعي و تحل
محلها حالة أخرى .. هي أنا .. أيضاً..
شيء محير..!!
و أنظر حولي في العالم .. فأجد أني أعوم في هذا العالم كما تعوم البطة في الماء .. تجدف فيه بريشها ولا
تبتل و إنما يترلق من عليها الماء كأنه من عنصر آخر غريب عنها..
أنا متصل بالعالم منفصل عنه في نفس الوقت..
إنه يدخل في تكويني بحكم المسكن و المأكل و المشرب و الاتصال بالآخرين .. و لكنه غير ملتصق بي ..
إنه يذكي شعوري و يثير اهتمامي فقط .. و بمقدار اهتمامي أظل على علاقة به فإذا انتهى اهتمامي
نفضته تماماً كما تنفض البطة الماء من ريشها حينما تصل إلى الشاطئ..
إني أحتضن العالم باختياري و أخلع عليه اهتمامي و شخصيتي و أتبناه و أظل مصاحباً له طالما هو .. أنا
.. فإذا انتهت هذه العلاقة الأنانية .. عدت إلى نفسي..
و لكني لا أنجو مع هذا من الابتذال .. و التردي في هوة الناس..

أؤدي ما يطلبه مني مدير المستشفى الذي أشتغل فيه طبيباً..
و أخضع لروتين العادة و العرف و المجاملات و أضيع نفسي في الثرثرة و أختبئ وراء المشاكل اليومية ..
و أتستر خلف الناس .. و أقول و أنا مالي .. هم عاوزين مني كده .. الدنيا كلها بتعمل كده..
و في هذه الحالات تضيع مني نفسي .. تضيع مني .. أنا .. و أصبح موضوعاً من الموضوعات مثل
الكرسي و الشجرة و الكتاب .. و أفقد الشيء البكر الذي يميزني عن كل شيء .. و يجعل مني نسيجاً
وحده .. يجعل مني .. أنا .. فلان الفلاني..
هذه أوقات لا أحس بها .. و إنما تبدو ممسوحة و مشطوبة من حياتي .. تبدو فترات موت..
حريتي تعذبني .. لأني حينما أختار .. أتقيد باختياري .. و تتحول حريتي إلى عبودية و مسؤولية .. و
هي مسؤولية لا ينفع فيها إعفاء لأنها مسؤولية أمام نفسي .. أما الاختيار الذي اخترته أنا..
و ليس أمامي سبيل غير أن اختار .. لا بد أن أختار في كل لحظة .. فإذا أضربت عن الاختيار .. كان
إضرابي نوعاً من الاختيار .. على أن أدفع ثمناً فوراً..
و حبي يعذبني لأني أريد أن أمتلك محبوبتي و أذيبها في داخلي و أشرب شخصيتها و روحها و جسدها
..أريد أن أحولها إلى .. أنا .. و هذا مستحيل لأنها هي الأخرى لها .. أنا .. وذات حرة مثلي..
إن كل ما نستطيعه هو أن نتعانق و تتلامس شفاهنا .. و تتلامس حقائقنا و أسرارنا في لحظات مضيئة
.. ثم نمضي إلى حالنا .. كل واحد مغلق على سره.
إن كل ما نملكه هو أن نفتح نوافذنا على الخارج , و لكننا لا نستطيع أن ننقل عفشنا .. و نسكن بيتاً
جديداً.
إن روحنا سر .. و ذواتنا قدس الأقداس..

لأنها حرم .. حرمها على الكل .. و خلقها حرة كالطائر الغرد..
* * *
ماذا هناك .. ماذا وراء الباب..
ماذا بداخلي..
إرادة . إرادة لا نهائية لا حد لها إلا نفسها .. إرادة حرة خالقة مبدعة .. تنبثق في بداءة و فطرة ..
أحسها و لا أعرفها أكابدها و لا أفهمها .. لأنها تفر مني كلما حاولت فهمها كما يفر النوم من عيني
كلما حاولت أن أتعمقه و أحلله .. و ربما كان السبب أنها أصيلة .. أكثر أصالة من العقل و التفكير و
لا يمكن أن تكون موضوعاً للعقل و التفكير .. بل العكس هو المقبول .. أن يكون العقل موضوعها و
خادمها .. و سبيلها إلى بلوغ أهدافها..
أنا أريد .. و العقل يبرر لي ما أريد .. و ليس العكس أبداً
إن كل شيء خاضع للإرادة .. ثانوي بالنسبة لها..
في لحظات إبداعي و خلقي .. في اللحظات التي أحس فيها أني أخلق نفسي و أخلق الأفكار و القيم و
أكتشف العالم و أصنع المعقولات أحس أني أدفع العالم كله أمامي .. أدفعه كالعربة..
و في اللحظات التي أموت فيها و أسقط في هوة العادة و التكرار و التقليد و المجاملات و الروتين .. و
تضيع إرادتي من يدي .. أحس بأن العالم كله يدفعني أمامه كالعربة..
أحس أن إرادة حصان في الطريق يمكنها أن تعدل في طريقي و تغير سكّتي..

لا شيء في الدنيا أكبر من الإرادة..
الظروف المالية .. و البيئة و الوراثة .. لا تلغي الإرادة و لا تمحو الحرية أبداً .. و لكنها تؤثر فيها ..
تؤثر في الكيفية التي تعلن بها عن نفسها..
أنا و الظروف نتصارع في لحظة الفعل فقط .. و لكن كلاً منا له وجوده البكر.
أنا حر و أرادتي حقيقة .. تماماً كما أن الظروف موجودة و حقيقية.
و لكن ما الإرادة ؟..
لا توجد كلمة تصفها أو تشرحها .. لأنها أكبر من كل الكلمات و لأنها تحتوي على كل الكلمات و
تتجاوزها .. فكل وصف يبدو حيالها ناقصاً .. إنها كالشوق لا يوصف و إنما يكابد..
إنها تنطبق عليها كلمة المتصوف الصالح أبو البركات البغدادي : أظهر من كل ظاهر و أخفى من كل
خفي..
إن أحسن طريق لمعرفتها هي أن تباشرها .. فهي المفتاح السحري الذي تفتح به الكون كله..
و لكن هناك أسئلة تتوارد على خاطرنا..
هل الإرادة موجودة في الزمان..
هل هي تنبض مثل القلب..
هل تنمو مثل الجسد..

هل تسري مثل الضوء و الكهرباء و تنتقل كما تنتقل الحرارة..
و هي أسئلة تفتح علينا الباب على مشكلة أخرى هي .. الزمان..
ما هو الزمان ؟..
هل هو حركة عقرب الثواني و الدقائق و الساعات ؟..
هل هو دقات ساعة الجامعة ؟
هل هو الأرقام العامة التي تنشرها مصلحة الأرصاد عن توقيت الأيام و الليالي و ساعات الظهر و المغرب
و العشاء..
أم هو زمن آخر خاص يعيشه كل واحد منا في نفسه و يضبط عليه وجوده..
إننا بهذه الأسئلة نبلغ المنطقة التي يكثر فيها الضباب و تصعب الرؤية..
إنها تحملنا إلى تحت..
إنها تنزل بنا من الأوراق إلى الساق إلى الجذر .. إلى ما تحت الخشب و اللحاء .. إلى العصارة التي تصعد
في نباتنا فتنبعث فيه الحياة..
إننا ننفض يدنا من تشريح الأيدي و الأرجل و نبدأ في بحث الحركة نفسها .. و نكف عن قياس قوة
العضلات لنبحث في الإرادة ذاتها .. لأننا في غرفة الموتور حيث أنبوبة الاحتراق التي تبعث كل الطاقة..
و هنا تتصادم الأفكار و النظريات و المذاهب في الظلام..

إن دقات ساعة الحائط تقدم لك زمناً
مزيفاً..ابحث عن زمنك الحقيقي في
دقات قلبك .. و نبض إحساسك..

كل شيء في الدنيا يجري و يلهث..
الشمس تشرق و تغرب..
و النجوم تدور في أفلاكها..
و الأرض تدور حول نفسها..
و الرياح تهب في الجهات الأربع..
و السيول تنهمر من أعلى الجبال..
و الينابيع تتفجر من باطن الأرض..
و النبات و الحيوان و الإنسان تعيش كلها في حركة دائبة..
و ذرات الجماد تهرول في مداراتها..
و ظاهرات الطبيعة كلها عبارة عن حركة .. الكهرباء حركة .. و الصوت حركة و الضوء حركة .. والحرارة حركة .. و الكون كله يتمدد مثل فقاعة من الصابون و ينفجر في كل قطر من الفضاء..
المادة في حالة انتشار وذبذبة وحركة ولهذا يقول اينشتين أن لها بعدا رابعا غير الأبعاد الثلاثة المعروفة
..أو الزمن الملتصق بالمكان ويسميه الزمكان.
المادة مثل حيوان له طول و عرض و سمك و عمر .. و العمر يدخل في تركيبها .. كما يدخل في
تركيب الحيوان .. الزمن إحدى الفتلات التي يتألف منها نسيج المادة..
و هو أيضاً إحدى الفتلات التي يتألف منها نسيج الكائن الحي.
* * *
و لكن ما الزمن.
هل هو دقات ساعة الجامعة .. و النتيجة المعلقة بالحائط و التقويم الفلكي بالفصول و الأيام..
إننا ما زلنا نذكر كلمات المراقب و نحن نؤدي الامتحان في آخر كل سنة..
باقي على الزمن نصف ساعة..

المراقب .. و إلى شفتيه و هما تنطقان..
باقي على الزمن نصف ساعة..
كأنه ينطق حكماً بالإعدام .. أو حكماً بالإفراج..
كأن النصف ساعة عند بعضنا قصيراً جداً .. أقصر من نصف دقيقة .. لأن ورقة الإجابة مازالت بيضاء
أمامه .. و لأنه ما زال يبحث .. و يهرش في رأسه.
و كان عند بعضنا الآخر طويلاً مملاً .. أطول من نصف اليوم .. لأنه قد انتهى من الإجابة.
كانت الساعة في يد المراقب تشير إلى زمن واحد .. و لكن كلاً منا له زمن خاص به..
كأن معيار الدقائق عند كل منا يختلف عن الآخر.
و هذا هو مفتاح اللغز..
* * *
إن الزمن ليس شيئاً منعزلاً عنا مثل الشجرة و المحبرة و الكتاب .. ليس زمبلكاً تحتويه ساعة اليد .. و
لكنه شيء يلابسنا.
لكل منا زمن خاص به.
عواطفنا و اهتماماتنا هي الساعة الحقيقية التي تضبط الزمن و تطيله أو تقصره.
أفراحنا تجعل ساعاتنا لحظات.
و آلامنا تجعل لحظاتنا طويلة مريرة ثقيلة مثل السنين و أطول.
إحساسنا بالسرعة و البطء ليس مصدره ساعة الحائط و لكن مصدره الحقيقي الشعور في داخلنا..
إن ساعة الحائط تقدم لنا زمناً مزيفاً .. و مثلها التقويم الفلكي الذي يقسم حياتنا إلى أيام و شهور و
فصول.
و التاريخ الذي يقسم أعمارنا إلى ماض و حاضر و مستقبل .. لأن حياتنا غير قابلة للقسمة .. و لأن
الزمن في داخلنا غير قابل للقسمة أيضاً..

الحاضر .. فحينما نعيش في إحساس بالتذكر نسميه ماضياً .. و حينما نعيش في إحساس بالتوقع نسميه
مستقبلاً .. و لكن كل هذه الإحساسات هي حاضر.
و الفواصل بين الماضي و الحاضر و المستقبل فواصل وهمية لأن اللحظات الثلاث تتداخل بعضها في بعض
كما يتداخل الليل و النهار عن الأفق..
و الذي يقوم بتعيين اللحظة في الشعور هو الانتباه.
الانتباه هو الذي يضع خطاً تحت بعض مشاعرنا و إحساساتنا فيخيل لنا أننا وقفنا لحظة و الحقيقة أنه لا
وقوف أبداً .. و إنما نحن نعيش في حالة تدفق داخلي مستمر أبداً و دائماً.
و الزمن الخارجي .. زمن الساعات و المنبهات زمن كاذب خداع لأنه يساوي بين اللحظات و يجعلها
مجرد أرقام على مينا..
الساعة واحدة .. الساعة اتنين .. الساعة تلاتة .. مجرد حركة من العقرب .. و انتقال بضعة سنتيميترات
على المينا .. إنه ليس زماناً و لكنه أوضاع مختلفة في المكان .. أما الزمن الحقيقي فهو في داخلنا .. و هو
اضطراب دائم لا تتساوى فيه لحظة بأخرى .. لحظة صغيرة .. و لحظة كبيرة .. و لحظة تافهة..
و هو غير قابل للتكرار .. لأن كل لحظة تحتوي على الماضي كله و معه علاوة من الحاضر .. و في كل
لحظة تضاف علاوة جديدة من التجربة و الحياة فلا تعود الحياة قابلة لأي تكرار .. و إنما هي الرؤية..
بينما يحتاج الذي يشاهدنا من الخارج أن يرى حركات ذراعنا بعينه و يتبعها و يحللها بعقله ليقول أننا
نحرك ذراعنا إلى فوق..
و معرفتنا نحن أرقى من معرفته لأننا نعاين الحقيقة مباشرة.
وبهذه المعرفة اكتشفنا الزمن .. زمننا الحقيقي.
و لكننا لا نعيش حياتنا كلها في الزمن الحقيقي لأننا لا نعيش في نفوسنا كل الوقت .. و إنما نعيش في
مجتمع .. نخرج و نختلط بالناس و نتبادل المنفعة و نتعامل و نتكلم و نأخذ و نعطي..
و لهذا لا نجد مفراً من الخضوع للزمن الآخر .. زمن الساعات .. فنتقيد بالمواعيد و نرتبط بالأمكنة.
و نبحث عن الأشياء المشتركة بيننا لنتفاهم .. و في أثناء بحثنا عن الأشياء المشتركة تضيع منا الأشياء
الأصلية.
العرف و التقاليد و الأفكار الجاهزة تطمس الأشياء المبتكرة فينا و تطمس الذات العميقة التي تحتوي على
سرنا و حقيقتنا..
و نمضي في زحام الناس و قد لبسنا لهم نفساً مستعارة من التقاليد و العادات لنعجبهم..

و تتكون عندنا بمضي الزمن ذات اجتماعية تعيش بأفكار جاهزة و عادات وراثية و رغبات عامة لاشخصية..
و هذه هي الذات سطحية ثرثارة تقضي وقتها في التعازي و التهاني و المجاملات و المعايدات و السخافات
و تنفق حياتها في علاقات سطحية تشبه المواصلات المادية التي توصل من الباب إلى الباب و لا توصل من القلب إلى القلب.
و هذه الذات التافهة هي غير الذات العميقة التي نغوص إليها في ساعات وحدتنا و نكتشف فيها أنفسنا و نتعرف على وجوهنا الحقيقية..
إنها ذات جامدة مثل الجسد تحكمها الغرائز و الضرورات الاجتماعية..
و هي تشبه المرحاض النفساني نفرز فيه كسلنا و ضيقنا و مللنا و نقتل فيه وقتنا بانشغالات رخيصة
تافهو مثل قزقزة اللب و لعب الطاولة .. و نحن نتأرجح في حياتنا بين هذه الذات السطحية و بين الذات العميقة .. نهبط مرة و نعلو مرة .. نعيش في زمن الساعات لفترة طويلة من يومنا في وظائف و أعمال آلية روتينية .. و نعيش في لحظات قليلة متألقة في داخلنا في زمننا الحقيقي الجياش فنهتز بالنشوة و نشرق بالسعادة و نرتجف بالقلق و نمتلئ بالفضول و اللذة و نعرف نفوسنا على حقيقتها و بكارتها..
و نحن نكتشف هذه النفوس البكر في مغامرات قليلة..
نكتشفها لأول مرة في مغامرة الحب حينما نعثر على المرأة التي تهز وجودنا .. و تخترقنا و تخترق عادتنا و تفكيرنا و حياتنا و تقلبها رأساً على عقب .. فتبدو كأنها حياة جديدة عجيبة..
و نكتشفها لثاني مرة في مغامرة الفن .. في لحظة الإلهام التي ينفتح فيها شعورنا على إدراك جديد و
تصوير جديد للدنيا .. فنكتب أو نغني أو نرسم أو نقول شعراً..
و نكتشفها لثالث مرة في مغامرة التأمل و في الشعور العميق بالتدين .. في لحظة الجلاء الفكري و
الصوفي التي نضع فيها على حقيقة جديدة فينا أو في الناس حولنا أو في الدنيا..
و نكتشفها لرابع مرة في المعمل .. و في لحظة الاختراع التي نعثر فيها على سر من أسرار الطبيعة يبهرنا و
يدهشنا . و يصدمنا.
كل هذه الاكتشافات تخرجنا من الزمن المبتذل و المتكرر .. زمن الساعات . و تترل بنا إلى أعماقنا ..
إلى زمننا الحقيقي حيث كل شيء جديد و مبتكر .. مدهش .. جميل .. باعث لأقصى اللذة الفضول..

الحب
الشهوة تكشف لك عن نوعك عن ذكورتك ..
و الحب يكشف لك عن نفسك .. عن ذاتك ..
و الملل من الاثنين هو الإشعار الخفي الذي يأخذ بيدك إلى محبوبك الحقيقي
أحبك..
كلمة لذيذة تصيبنا بالخدر و الدوار..
كل شيء فينا يذوب و يتفتت حتى اللغة نفسها تذوب و الزمن يذوب و المكان يذوب و العقل يذوب و
القلب يذوب .. و نحن ننطقها..
* * *
اللغة تتعطل في لحظة الحب و يحل محلها سكوت ناطق معبر . و الزمان و المكان يتلاشيان في غيبوبة
صاحية تكف فيها اللحظات عن التداعي و تنصهر في إحساس عميق بالنشوة و النصر و الفرح..
قد تكون هذه النشوة لحظة واحدة .. و لكن هذه اللحظة تصبح كالأبد..
الحب يؤبدها فتستمر مائلة أمام الشعور .. تستمر في المستقبل لسنوات طويلة تلاحق صاحبها و قد ألقت
ظلاً طويلاً على حياته .. و امتزجت بصحوه و نومه و أحلامه و هذيانه .. و التصقت به من داخله
فأصبح من المستحيل عليه أن ينفضها مع ثرثرة كل يوم و مشاغله و تفاهاته..
أصبحت بعض نفسه .. تحيا بحياته .. و تموت بمماته.
* * *
في لحظة الحب ينفتح شيء فينا .. ليس الجسد ؟؟ بل ما هو أكثر .. بوابة الواقع كلها تنفتح على
مصراعيها فتتلامس الحقائق و المعاني الجميلة و المشاعر التي يحتوي عليها الحبيبان.

و يحدث الانسجام من هذا التماس بين الأفكار و المعاني و الأحاسيس الرقيقة..
و يخيل للاثنين في لحظة أنهما واحد .. و يسقط آخر قناع من أقنعة الواقع .. فتذوب الأنانية التي
تفصلهما .. و يصبحان مصلحة واحدة و فكرة واحدة.
و لكنها لحظة خاطفة لأن الواقع الصفيق ينسدل من جديد بين الحبيبين فيعود الهم يعزلهما الواحد عن
الآخر ..هم الزمن والساعة التي أزفت والميعاد الذي انتهى والوقت الذي حتم على كل منهما أن يعود
إلى عمله ..وهم المكان الذي يعزلهما كل واحد في بلد ..وهم الجسد الذي يحوي كلا منهما في كيان
مستقل من اللحم والدم ..وهم المجتمع الذي يحتوي على الاثنين ويطالبهما بالتزامات وواجبات .. وهم
من الماضي الذي يدخل كشريك ثقيل الظل في كل لحظة..
إننا لا نعيش وحدنا.. بل هناك الآخرون .. وكلهم ينازعون حريتنا ولقمتنا وحياتنا ؟؟
وفي هذا الزحام نضيع ويطمس الواقع على أحلامنا ويأخذنا معه في دوامة من التكرار السخيف من
الأكل والشرب والنوم..
لا نفيق منها إلا لنغيب فيها من جديد ونمضي حياتنا في روتين ممل لا نلتقي فيه بأنفسنا أبدا..ولا نذوق
الحب ولا نعرفه.
وقد تزوج ونعيش حياة بليدة هادئة ..نلتقي فيها بزوجاتنا كما نلتقي بدفاتر الحضور في الديوان ..نوقع
عليها كل ليلة لنثبت حضورنا في الميعاد..ونعيش حياتنا الجنسية بدون وجدان.. وتظل الزوجة في نظرنا
مجرد أنثى لقضاء الحاجة..يمكن أن تحل محلها الخادمة أو أية امرأة بدون أن نحس أن شيئاً ما ناقص أو
مفقود.
* * *
إن الشهوة شيء غير الحب..
إنها أقل من الحب بكثير .. فهي رغبة النوع وليس رغبة الفرد..
إنها علاقة بين طبيعتين و ليست علاقة بين شخصين ..علاقة بين الذكورة والأنوثة..
و الفرد لا يكتشف فيها نفسه و لكنه يكتشف نوعه و ذكورته..
و الحب يحتوي على الشهوة و لكن الشهوة لا تحتوي عليه..
بالحب لا تكتشف فقط أنك ذكر .. و لكنك تكتشف أيضاً أنك فلان و أنك اخترت فلانة بالذات و لا
يمكن أن تستبدلها بأخرى..

إن كلمة (( أحبك )) هي أعمق و أجمل كلمة في حياة الرجل لأنها ليست مجرد كلمة و إنما هي نافذة
يطل منها على حقيقته و سره..
و الحياة الخالية من الحب حياة باردة موحشة سخيفة خالية من الحماس و الطعم و البهجة .. تنساب فيها
الرغبات مضعضعة ميتة من الملل و الضجر و الفراغ..
الحياة بلا حب .. غربة..
و الشهوة لا تسعفنا , و لا تطفي عطشنا و لا تعوضنا عن الحب..
إنها وسيلة للهروب فقط نبدد بها نشاطنا و نتخلص منه.
إنها مثل الخمر و القمار و المخدرات وسيلة للإغماء و للإعياء و البلادة..
* * *
و الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يحل محل الحب هو الفن .. لأنه ينفذ إلى القلب مثله .. و يكشف مثله
عن ذاتنا العميقة .. و يوصلنا إلى اللحظات الأبدية المليئة .. و يطلعنا على كنوزنا و أسرارنا..
و ما يبدعه الإنسان من فنون خالدة يدل على أنه يحتوي على بذرة الخلود في داخله.
و ما يعيشه من لحظات أبدية يدل على أنه يحتوي على الأبدية في قلبه.
* * *
و الحب الذي هو أعمق من كل حب لا يفجره في القلب إلا التصوف و الشعور الديني .. لأن الدين هو
الذي يعيد الإنسان إلى النبع الذي صدر منه و يأخذ بالإنسان الساقط في الزمان و المكان ليرفعه إلى
سماوات الأبدية و لا يرفعه إلى هذه السماوات إلا الحب .. منتهى الحب الذي يفنى به العابد عن نفسه و
عن الدنيا شوقاً إلى خالقه.
و ما حب الإنسان للمرأة .. و ما حب الإنسان للفن .. و ما حب الإنسان للجمال .. إلا خطوات
الدليل الخفي الذي يقودنا إلى الله .. إلى المحبوب الوحيد الذي يستحق الحب .. إنها محطات سفر إلى المحطة النهائية .. محطة الوصول..
مرة بعد مرة يكتشف الإنسان أن موضوعات حبه لا تملك وجوداً حقيقياً .. فالوردة تذبل و الشمس
تغرب و المرأة تشيخ و الجديد في الفن يبلى.
و ما رآه في المرأة جمالاً يكتشف أنها لا تملكه و أنه يزايلها بالشيخوخة .. إنه لم يكن جمالها .. لقد كان
وديعة أودعت عندها ثم استردها صاحبها..

و ترد الشهوة..
و تفتر العاطفة..
و يتجه الرجل بحبه إلى امرأة أخرى لتتجدد الخيبة و يتجدد الملل و يتجدد الضجر..
لا .. إن حبه أكبر من أن تستوعبه ذراعان.
إن حبه يعبر به الغايات المحدودة و يتجاوزها إلى قيم الفن و الجمال و الخير و العدالة و الحقيقة.
و هو على عتبة هذه المجردات يكتشف أنه يريد الله بكل حبه فهو الواحد الذي تتجسد فيه كل هذه القيم
اللانهائية.
و هو اللامحدود في مقابل المحدود.
ها هو أخيراً يجد الجواب على السؤال اللغز الذي طالما حيره
لماذا خلقت .. لماذا وجدت في هذه الدنيا..
هو الآن يعرف لماذا خلق.
ليصل إلى حقيقة نفسه .. و ليدرك إلهه.
و ما أرض الواقع إلا المزرعة التي يلقي فيها بإمكانياته لتورق و لتثمر و تتحقق .. تلك الإمكانيات الباطنة
فيه بطون جنين القمح في بذرة القمح.
و هو يرى نفسه كإدارة هائلة تتخبط في سروال ضيق من الجلد و اللحم لا يسمح له إلا بالسير البطيء
خطوة خطوة و الحياة بالقسط لحظة لحظة .. و في كل خطوة من خطواته و في كل لحظة من لحظاته
يترك بأعماله أثراً يدل عليه.
و هو كل يوم يملأ ورقة الامتحان و يجيب عن الأسئلة الأزلية
من أنت
ماذا تريد أن تقول
ماذا تريد أن تفعل
ماذا تخفي في قلبك
ليكشف عن مكنونه و يحقق ذاته
و يقوده حبه لنفسه و حبه للمرأة و حبه للجاه و السلطان إلى يأس بعد يأس و ملل بعد ملل و إحباط
بعد إحباط حتى يشرق فيه حب الحق ليدله على الطريق .. إلى الواحد الأحد الذي تجتمع فيه كل
الكمالات.
و يزداد حبه عمقاً ليصبح عبادة و صلاة .. و هو يصعد في طريق العودة إلى منبع الأنوار..

و هو الآن يشعر أنه وجد نفسه حقاً و عرف إلهه و عرف هدفه و عرف طريقه.
و هو يدرك أن كل ما عاناه من عذاب و ألم و إحباط و يأس لم يذهب عبثاً .. فقد كانت كل تلك
الآلام هي المؤشرات التي كشفت له طريقه و دلته على حقيقته .. كانت بوصلته و دليله في بحر الظلمات
.
و من أجل هذا خلق الله الحياة..
إن الإنسان معجزة المتناقضات.
إنه فان و يحتوي على خالد.
و ميت و يشتمل على حي.
و عبد يحتضن قلباً حراً.
و زمني و يحتوي على الأبدية.
و حبه و فنه و تفكيره و صحته و مرضه و جسده و تشريحه تدل كلها على هذا التركيب المتناقض.
الدنيا كلها تقيده و جسده يقيده مثل الجاكتة الجبس .. و مع ذلك .. لا تمنعه هذه القيود من أن يضمر
في نفسه شيئاً .. و أن يفرض هذا الشيء على ظروفه.
فهو يصهر الحديد و يسوي الجبال بالأرض و يشق الأنفاق و يطلق قذيفة من عدة أطنان إلى القمر ..
كل هذا و هو جسم صغير هلامي من اللحم و الدم..
و هو يرقد مريضاً مشلولاً يائساً .. فإذا اجتمع بزوجته أنجب طفلاً يرقص من الصحة و العافية..
أين كانت هذه الصحة مختفية في المرض..
و هو يبدو ضعيفاً قليل الحيلة .. تقتله رصاصة بمليم .. تماماً مثل الرصاصة التي تقتل الكلب .. و لكنه مع
هذا لا يستطيع أن يطلق من فمه قبل أن يموت صيحة يهدم ا نظاماً بأسره..
من أين يخرج صوته .. و ينساب تفكيره .. و ينصب شعوره .. و تتدفق قواه غير المحدودة..
إن أعضاءه تبدو في التشريح من مادة تقبل الوزن و القياس .. و تخضع للزمن..
و لكن شعوره يكشف عن مادة أخرى و زمن آخر يعيش فيه غير زمن الساعات و الدقائق .. زمن حر
يقصر و يطول حسب إرادته..
و تعمق هذا الشعور في لحظات الحب و الإلهام و التصوف .. يكشف عن حقيقة أغرب..
إن هناك أفقاً ثالثاً في داخله..
أفقاً غير زمني .. لحظاته أبدية مليئة .. لا تنقضي مثل اللحظات و إنما تظل شاخصة في الشعور مالئة الوجدان..

ماذا تكون تلك اللحظات..
أتكون هي الثقوب التي تطل على سره..
و ماذا يكون سره الخافي تحتها..
أهو الروح ؟.. !!
و ما الروح ؟.. !!
إنها الحرية..
الحرية جوهر الإنسان و روحه .. و من خلال محاولتنا لفهم الحرية سوف نقترب من فهم الروح..

الخيط
القشة في البحر يحركها التيارو الغصن على الشجرة تحركه الريح
و الإنسان وحده .. هو الذي تحركه إرادته..
أجمل ما في الدنيا أنها واضحة .. تغمرها الشمس .. كل شيء فيها يمكنك أن تراه و تسمعه و تزنه و تقيسه و تتذوقه و تحلله و تستنتجه..
كل ما يحدث فيها له سبب .. و إذا عرفت سببه استطعت إحداثه .. كل شيء يجري بنظام محكم من الأسباب و النتائج .. و إذا كان لديك ورقة و قلم فإنك تستطيع أن تحسب بالضبط متى تشرق الشمس
و متى تغرب.. لأنها تتحرك حسب قانون..
و كل شيء في الدنيا يتحرك حسب قانون..
إلا الإنسان ..فإنه يشعر أنه يمشي على كيفه.
الإنسان وحده هو الحر المتمرد الثائر على طبيعته وظروفه ولهذا يصطدم بالعالم ويصارعه .. ويستحيل في
أية لحظة أن تتنبأ بمصيره..
إن ما يحدث داخل الإنسان وفي قلبه لا يخضع لقانون..لا توجد هذه الحلقات المترابطة من الأسباب
والنتائج في داخل نفوسنا.
إننا نرغب .. ونتحمس .. ونعمل ولكن هذه السلسلة من الرغبة والحماس والعمل لا تتبع الوحدة
الأخرى حتما.. وإنما يظل الإنسان قادرا على التملص في أية لحظة .. فإذا تراءى له أن يصرف النظر ..
فإن رغبته تموت وحماسته تبرد ولا يتسلسل إلى غايته..
والسبب؟..
لا يوجد سبب..
انه لم يعد يريد.
ولماذا لم يعد يريد..
كده..

هو ببساطة لم يعد يريد ..
أن مجرد إرادته سبب .. في غير حاجة إلى سبب ..والضروري ..لا يوجد في أي مكان في الدنيا إلا في
الإنسان ..إنه وحده الذي خلق نفسه بنفسه .. ويولد كل يوم ميلادا جديدا .. ويتطور ويتكون ..وتتغير
شخصيته وتدخل عليها التعديلات والتبديلات..
إن إرادته تدخل على كل لحظة فتعدلها وتخل بأي تعاقد طالما أنها أرادت هذا الإخلال..
ولهذا يستحيل التنبؤ ..لأن لكل لحظة تبدو جديدة غير متعاقدة بمسابقتها.
لاشيء يحول بين الإنسان وبين أن يضمر شيئاً في نفسه ..إنه المخلوق الوحيد الذي يملك ناصية أحلامه
..
* * *
ولكن هذه الحرية البكر الطليقة في الداخل ما تلبث أن تصطدم بالعالم حينما تحتك به لأول مرة في لحظة
الفعل.
إن رغبتنا تظل حرة طالما هي في الضمير و النية..
نستطيع أن نرغب أي رغبة ..ونحلم أي حلم .. ونتمنى أي أمنية .. ولكن المأساة تبدأ في لحظة التنفيذ
حينما تحاول رغباتنا أن تحقق نفسها في الواقع.. فتصطدم بالقيود ..وأول قيد نصطدم به هو
الجسد..جسدنا نفسه الذي يحيط بنا مثل الجاكتة الجبس..ويحاصرنا بالضرورات والحاجات ويطالبنا
بالطعام والشراب ليعيش و يستمر و لا نجد مهرباً من تلبية هذه المطالب.. فنجري خلف اللقمة ونلهث
خلف الوظيفة ونضيع في صراع التكسب ونفقد بعض حريتنا..
وليس أمامنا حلٌّ غير هذا فرغباتنا لا تستطيع أن تعلن عن نفسها بدون جسد..
وجسدنا هو أداة حريتنا ..إن كان يقيد هذه الحرية في نفس الوقت..
وليس جسدنا وحده بل أجساد الآخرين أيضاً أدواتنا.. فنحن ننتفع بما يصنعه العامل وما يزرعه الفلاح
وما يخترعه المخترع وما يكتبه الكاتب وكل هذه ثمار أجساد الآخرين وحرياتهم..
إن المجتمع أداة هائلة موضوعة في خدمتنا بما فيه من بريد ومواصلات ونور ومياه وصناعات وعلوم
ومعارف.
وحينما يركب أحدنا قطاراً فإنه يركب في نفس الوقت على حرية جاهزة أعدها له آلاف العمال
والمخترعين والمهندسين في سنين تاريخية طويلة..وهو يدفع في مقابل هذا الكسب ضريبة من حريته.

وليس المجتمع وحده هو الذي يتقاضاه ضرائب .. ولكن الكون كله ..جاذبية الأرض ..وضغط الهواء ..
ومياه المحيطات والغابات بحيواناتها وطيورها والسماء بكواكبها .. كلها تحاصره وتحاصر حريته وتطالبه
بنوع من الوفاق معها .وهو بالوفاق يربح حريته دائماً ..
بالوفاق مع العالم يمتطيه كما يمتطى الجواد ..
فهو حينما يفطن إلى اتجاه الريح ..ويضع شراعه في مواجهته يمتطي الريح ويسخره لخدمته.
وحينما يفطن إلى أن الخشب أخف من الماء .. و يصنع مركباً من الخشب .. يمتطي الماء .. و بالمثل
حينما يفطن إلى نفع الناس و يسير في اتجاههم .. يكسب الناس و يكسب معونتهم..
إن المجتمع يضغط على الفرد و على حريته .. و لكن العقل يستطيع دائماً أن يقلب هذا الضغط إلى مصلحة و منفعة و حرية .. بأن يكتشف ببصيرته القوانين التي تربط الأشياء بعضها ببعض..
* * *
إن الإنسان يعيش مضطرباً بين عاملين .. عالم رغباته و نزواته و كلها حرة طائشة بلا حدود .. و عالم
المادة حوله و هي جامدة محدودة مغلولة في القوانين..
و سبيله الوحيدة هي معرفة هذه القوانين.
حريته لا تستطيع أن تشق طريقها بدون العلم .. إنها بدون العلم .. تكون مجرد رغبة مجنونة في داخله ..
مجرد نية .. و حلم و أمل سجين.
مجرد حرية وجودية تصلح مادة لقصة أو قصيدة أو أغنية أو تمثال .. أو مغامرة .. أو جريمة قتل .. و
لكنها لا تصلح لكسب حقيقي واقعي.
إن الفرق بين العبودية و الحرية هو خيط رفيع . خيط رفيع يرقص عليه الإنسان .. و يتأرجح.
إذا سقط في داخل نفسه ضاع في أحلام اليقظة و الرؤيا و الأماني.
و إذا سقط في العالم ضاع في دوامة الزمن الآلي .. و جرفه الروتين و العرف و التقاليد .. و ابتلعه
المجتمع في جوفه.
و إذا فتح عينيه و نظر إلى العالم حوله فإنه يستطيع النجاة بحريته , و يستطيع أن يقفز على الحبل
خطوات واسعة إلى الأمام..
إن طريقه ضيقة محفوفة بالمخاطر .. و الموت يترصده من كل جانب.
إن عليه أن يدرس الواقع حوله بما فيه من منخفضات و مرتفعات و مطبات .. و يكتشف ما فيه من
قوى .. و يتعرف الطريق إلى قيادتها و الاستفادة منها..

الطائشة من ناحية أخرى..
و لو دخل في نفسه و لاذ برغباته و أحلامه و انطوى على ذاته فإنه يموت كما تموت الوردة التي تنفصل
من شجرتها .. و تستعبده شهوته و تسجنه غرائزه..
و إذا ذاب في المجتمع و خضع للناس خضوع الشاة .. فإنه يموت و يفقد شخصيته..
و حبل النجاة هو ذلك الخيط الرفيع .. حيث يحدث التصادم بين نفسه و العالم .. بين داخله و خارجه
.. و حيث تلتحم رغباته بالدنيا .. مائة مرة كل يوم..
حبل النجاة أن يكون ذاتياً موضوعياً في نفس الوقت , أن تكون عينه مفتوحة على داخله .. واعية لما
يجري حوله .. و أن يتدفق نشاطه من هذه البطارية ذات القطبين على الدوام.
بهذا وحده يفوز بنفسه ((و يفوز العالم)) و يصبح إنساناً حراً.
* * *
و لكن هل يفوز بحريته و بلا حدود .. ألا توجد سلطة على غير ظروفه..
هل يستطيع أن يقول أنه مخير و أنه لا توجد قوة أعلى منه ترسم له مصيره و قدره.
أم أن حريته في غايتها هي حرية بشرية محدودة نسبية.
و أين يكون مكاننا في المشكلة الأزلية .. بين .. المخير .. و المسير..

مسير أم مخير
الإنسان مخير فيما يعلم ..
و مسير فيما لا يعلم
سؤال محير .
هل أنا مخير أم مسير ؟
شعوري يقول في كل لحظة أني حر .
وواقعي يكشف لي في كل لحظة ألف لون و لون من ألوان الجبر و القهر .
أين أنا في هذه المشكلة .
هل أنا الذي أختار حياتي .
أم أن حياتي هي التي تختار لي .
تعودت دائماً كلما تناولت هذه المشكلة في مقال أن أختار جانب الحرية .. و كانت خطابات القراء
تنهال علي في كل مرة سيل من الاحتجاجات .
و لهذا فكرت أن أدخل إلى الموضوع هذه المرة بطريقة جدلية .. و أن أجعله في صورة حوار سقراطي
فأبدأ بالإشكال كما يتصوره القراء في خطاباتهم و تساؤلاتهم ثم أتخذ من تساؤلاتهم مدخلاً إلى الموضوع
لأكون أقرب ما يمكن إلى عقل القارئ العام و تصوراته .
* * *
يقول القارئ أحمد ناجي شرف الدين تعليقاً على كقالي في خطاب طويل :
.. ستة آلاف يوماً عشتها و لا أدري لم أعيش .. و إلى أين أسير .

صمت .. كلام .. وداد و خصام و الأيام تكر .. و السنون تمر .. و العمر يمضي دون أن أعرف من أنا
.. و لماذا أتيت .. و إلى أين أسير ..
إني أجري وراء المستقبل .. و أمني النفس بالآمال .. ففي المستقبل أبلغ آمالي .. و فيه أصلح نفسي .. و
فيه أنيب إلى ربي .. و فيه أكتب تلك المعاني التي طالما جاشت بها نفسي .. و لكن المستقبل لا يأتي أبداً
.. و حينما يأتي يصير حاضراً و أبدأ في التفتيش عن مستقبل آخر .
حينما كنت في الابتدائية كنت أتمنى أن أصبح تلميذاً في الثانوية أرتدي البنطلون الطويل و أصفف شعري
و أحتفظ بقطع الطباشير الميري لألقيها على أطفال مدرسة الروضة التي تجاور مدرستنا كما كان يفعل
معي طلبة المدرسة الثانوية المجاورة .. و يوم وصلت إلى هذا الأمل هان علي و ذهب بهاؤه و انطفأت
روعته و بدأت أنظر إلى مستقبل آخر و أصبحت أتمنى أن أكون موظفاً في الحكومة مثل سيد أفندي
الذي يسكن عند خالي و أتأبط الجريدة اليومية و أناقش في السياسة الدولية و أجلس واضعاً رجلاً على
رجل و ألعب الطاولة .. و قد كان .. إذ ما كادت سنوات أربع تمر حتى كنت موظفاً بالحكومة .. و
ذقت تلك المرارة التي يشعر بها الموظف و التي كان يخفيها سيد أفندي تحت جاكتته و ابتسامته المفتعلة ..
و هان عليها الأمر مرة أخرى و ذهب بهاؤه و تغير حالي بانتقالي من عالمي الساذج إلى دنيا الوظيفة بما
فيها من تملق و نفاق و كذب .
و جاء أول شهر لأقبض أول مرتب .. سبعة جنيهات .. و كنت حينذاك في أسيوط على بعد الأميال
من بلدي .. و بدأت أشعر بضيق الحياة .. و تبددت آمالي ..
لم أتمكن من الجلوس على مقهى .. و لم أتمكن من تهيئة وقت للمذاكرة . و أصبح التحاقي بالجامعة
استحالة .
و ضاقت حرياتي حتى كادت تنعدم و لم يبق منها إلا حرية الحصول على خبز اليوم أتبلغ به لأعيش يوماً
آخر .
أين الحرية التي تتشدق بها و تملأ بها مقالاتك .
هل أنا حر .. و كيف .. و أنا لا أكاد أملك إلا الكفاف و لا أصلح إلا لمشوار من الديوان إلى البيت و
من البيت إلى الديوان .
كيف أتزوج و كيف أعيش و كيف أستمر في تعليمي و كيف أحفظ صحتي .. و كيف أوفر كل هذه
الحريات و ليس لدي إمكانيات .
إني لا أملك إلا حرية واحدة هي قتل نفسي إذا كنت تظن أن هذه حرية .

إذا كنا أحراراً فما معنى القانون و الأخلاق و الأديان و المدنية .
إن كل هذه الأشياء قيود على حريتنا .
إن القانون يمنعني من أشياء .
و الأخلاق تحرم عليها أشياء .
و الأديان تخيفني من أشياء ثالثة و تقيدني بضوابط و أوامر و مناهي .
و المدنية تربطني بعجلة الأسرة و البيت و المصنع و الآلة .. و تضبطني كالساعة على مواعيد أنام فيها و
أصحو .
إن الحياة حولنا قيود في قيود .
أين الحرية التي تتكلم عنها .
* * *
و يتحداني محمد قائلاً :
أين هي حريتك .
هل اخترت مولدك .
هل اخترت أباك و أمك و دينك و وطنك .
هل اخترت شكلك و طولك و عرضك .
هل اخترت النظام الاقتصادي الذي تعيش فيه .
* * *
ويكتب عبد الرؤوف .. ليسانس فلسفة بحثاً يقول فيه :
إني أكون حراً عندما أكون أنا الله .. أو حينما أكون أنا العالم . حيث لا شيء سواي أخضع له و أتقيد
به .
إن الحرية الكاملة تستلزم عدم وجود شيء غيري لأن أي شيء يحدني .. الناس .. و الطبيعة و الظروف
.. كلها حدود .. و مثل هذه الحرية مستحيلة .

إن حريتي مشلولة ناقصة .
* * *
و ينتهي عبد الفتاح سليم إلى أنه مسير مقهور مجبور على حاله و أفعاله , ثم يسأل كيف يكون مسيراً و
مقهوراً و مجبوراً بهذه الكيفية و يحاسبه الله و يعاقبه أو يكافئه و يجزيه .. أين وجه العدالة الإلهية في
القضية .
* * *
أما أحمد الألفي فينتهي إلى أنه حر و لكنه يتساءل كيف يكون حراً و يتدخل الله سبحانه لنجدته .. ألا
يكون في هذا التدخل إخلال بحريته ..
كيف يمكن التوفيق بين فكرة الحرية و فكرة العناية و التدخل الإلهي .
كيف نكون أحراراً و كل ما نفعله بأمر الله .. قدره علينا منذ الأزل .. هو الذي خلقنا و خلق أفعالنا و
هو الوحيد الذي يفعل لا إله إلا هو و ما نحن إلا أدوات إرادته .
* * *
و هذه الخطابات و التساؤلات يحيط القراء بكل جوانب المشكلة الأزلية.. مشكلة المخير و المسير.
و هم يحشدون أسلحتهم ضدي و يشحذون أدمغتهم.. و يصرخون في وجهي في صوت واحد .
و هذا وحده أول دليل على حريتهم فقد صنع كل واحد منهم رأياً مستقلاً و لم يتقيد بكتبي و لا
مقالاتي و لم يخضع لوجهة نظري.
و أنتقل إلى اعتراضاتهم فأقول إن أغلبها يدور حول نقطة واحدة.. هي القيود المضروبة حولنا.
و بعض هذه القيود تصل إلينا بالوراثة مثل الاسم و الجنس و الدين و الوطن فنولد بها كما نولد بجسمنا
.
وبعضها يصل إلينا من بيئتنا .. مثل الطبيعة التي نعيش فيها حرها و بردها و رعدها و ميكروباتها و
أمراضها و ناسها .
و بعضها من صنعنا و ابتكارنا مثل القوانين و الأخلاق و النظم السياسية.
وجميعها في النهاية تقيدنا فلا يبقى لنا إلا القليل أو ما دون القليل.
و هذا ما يجعل القارئ عبد الرؤوف يقول :

أن أصبح وحيداً منفرداً مثل الله بلا شريك وبلا آخرين معي وبلا أشياء..ذات حرة مجردة بدون
مقاومات من أي نوع .
و القارئ ينسى أن الحرية تفقد معناها بمجرد سقوط المقاومات حولها لأن انعدام المقاومات حولي
وامتلاكي لكل شيء في وقت معناه انتفاء كل نقص عندي ومعناه كمالي لأني أصبح الكل في
الكل..وبالتالي تنعدم مطالبي و رغباتي لأن المطالب والرغبات منبعها احتياجاتي .
و بانعدام الرغبة والمقاومة يسقط معنى الحرية لأنها تكون استهدافاً فارغاً إلى لا شيء وتكون هي ذاتها لا
شيء.
إن مشكلة الحرية ترتبط دائماً تتأجج في الصدر و مقاومة تقف في سبيلها..
وتتأكد الحرية باانهيار المقومة وتراجعها أمام الإرادة ..
بهذه الصورة الجدلية تكشف الحرية عن مدلولها في الواقع .
أما الإنسان الأوحد المنفرد الذي تلاشت من أمامه الظروف و المقاومات و انعدم كل شيء حوله .. و
أصبح هو الكل في الكل .. و اشتمل على العالم في ذاته .. و تحول إلى إله .. ماذا يطلب هذا الكائن و
أي شيء يعترض مطلبه لتصبح حريته أو عدم حريته محل سؤال .
أين الصراع الذي تكشف الحرية مدلولها من خلاله .
إن مثل هذا الكائن لا يتحرك و لا يرغب و لا يأكل و لا يشرب و لا ينمو و لا يكبر و لا يموت و لا
يولد .
إنه يعيش في سكون و أبد و عالم بلا زمان و بلا مكان و كلمة الحرية بالنسبة له هي غير الحرية التي
نعرفها و نتكلم عنها في عاملنا ..
ماذا يطلب و هو المستغني المكتفي بذاته ..
إن الحرية التي تتداولها كلمة بشرية صرفة .. كلمة لا معنى لها إلا بوجود القيود .. بوجود المقاومات ..
بوجود الظروف التي يصرخ منها القراء و يضجون و يشتكون .
أن نطلق الحتمية المضروب حولهم هو الذي يجعل لحريتهم معنى و ليس هو الذي يهدمها كما يظنون ..
لأن الحرية تعبر عن نفسها باختراق الظروف و زحزحة المقاومات و هدم العبقات ..
الحرية عملية مرتبطة باحتكاك الإنسان ببيئته و بظروفه و يلغيها أن يصبح الإنسان إلهة ..
إن السؤال المهم هو :
هل تذوب المقاومات مع الزمن ..

السد ..
و الجواب نعم .. تتقهقر العقبات .. و يتقدم العلم و يتحكم في الحر و البرد و الريح و الماء و يطور
القوانين و الأنظمة إلى أحسن و أحسن ..
و في هذا دليل واقعي أكيد على حرية الإنسان .
* * *
اضغط على الزر الكهربائي في غرفتك فينتشر الضوء و ينهزم الظلام.
ألا تحس أن هذا الكسب العلمي البسيط أضاف إلى حريتك ومثل هذا الكسب ألوف غيره تنتفع بها كل
لحظة .. حينما تضع رجلك في ترام أو تدخل سينما أو تقرأ كتاباً أو تتحدث في تليفون .
ان كل شيء يصرخ في أذنيك بأن الحرية حقيقة والتاريخ يلهث جرياً إلى الأمام ليؤكد لك أنك حر ..
والأقمار الصناعية تهتف في الفضاء بأن من يجتهد يصل وأن الطريق مفتوح أمام إرادة البشر.
وما القدر إلا مجرد واسطة تكشف بها الحرية عن ذاتها وتؤكد وجودها ..
* * *
ويصرخ القارئ قائلاً.. هل أنا حر وأنا لا أكاد أملك الكفاف فيثير بذلك قضية الحرية بمعناها الاجتماعي
.. وكيف أنه لا حرية لمن لا يملك القوت.. وأن توفير القوت في ذات الوقت توفير الحرية..
والسؤال هو ما هذا القوت المطلوب توفيره.
أهو مائدة علبها لحم وخبز وأرز وفواكه وثلاجة لحفظ هذه الأطعمة وعربة ليقضي كل منا مشاويره
سعياً لجمع هذا القوت .
إن كان هذا هو القوت المطلوب فإن توفيره لن يكون توفيراً للحرية وإنما سيكون تبديداً لها.. ومعناه أن
يكون الإنسان في خدمة الطعام وليس الطعام في خدمة الإنسان.. معناه تبديد الوقت والجهد والفكر
لتحقيق الوفرة المادية ومعناه أن يصبح الإنسان في النهاية عبداً لهذه الوفرة ويفقد حريته..

..
و لكن إذا توفرت هذه الكسرة وهذا ميسور فالبحث عن المزيد ليس كسباً لحرية وإنما إضاعة لها..
ولقد كان غاندي أكثر الناس حرية وهو يسعى حافياً على قدميه لا يملك إلا مغزل صوف يدوي وكيس
به بضع ثمرات وعترة يشرب من لبنها ويصنع من صوفها ثيابه.
وكذلك كان محمد والمسيح.. والأحرار العظام الذين صنعوا لنا حرياتنا وغيروا التاريخ..
وشرط الحرية هنا هو الكفاف لأن أكثر من هذا الخضوع لعبودية البطن كما أن إضاعة العمر في الجري
وراء النساء هو خضوع لعبودية الشهوة..
ولا يحق للقارئ أن يصرخ لأنه لا يملك إلا الكفاف قائلاً لقد فقدت حريتي..أين حريتي..
بل لقد وجدت حريتك ما دمت قد وجدت الكفاف..فما يزيد على الكفاف ليس حرية بل عبودية..
* * *
أما الاعتراض بأن الأخلاق قيود على الحرية.. والقانون قيد على الحرية والضوابط الدينية قيود على الحرية
فهو غير صحيح فكل هذه الضوابط مثل إشارات المرور الأحمر والأخضر والأصفر.
وبدون إشارات المرور تتصادم العربات ويقف المرور ويفقد كل سائق حريته.
إنها ضوابط هدفها إتاحة الفرصة لأكبر قدر من الحرية وليس مصادرة للحرية.. وإنما الحرية تستحيل
بدونهاا لأن المجتمع يتحول إلى غابة ويأكل بعضه بعضاً ويهلك..
وأنت حينما تقيم الضوابط على شهوتك تكسب حريتك لأنك تصبح سيد نفسك لا عبد الغريزة التي
تطيح بعقلك في لحظات..وبالمثل الشجاع أكثر حرية من الجبان وأكثر حرية من المقهور.
والكريم أكثر حرية من البخيل وأكثر حرية من السفيه.
والصبور أكثر حرية من الجذوع الهلوع.
أما حرية القمار والسكر وتدخين المخدرات والتبذل الجنسي فهي ليست حريات..إنها درجات من
الانتحار وإهدار الحياة وبالتالي إهدار الحرية..
وكل اختيار ضد القانون الطبيعي ليس اختياراً وإنما إهدار الاختيار.
وكلنا نعلم أننا إذا أردنا أن نزداد حرية ونحن نسبح نختار السباحة مع التيار وليس ضد التيار.
وحينما وضع الإنسان الأول مروحة في اتجاه الريح دارت المروحة واستطاع بذلك أن يصنع طواحين
هوائية يسخر فيها الطبيعة لخدمته وبذلك ازداد حرية.

الحرية كانت دائماً هي اكتشاف القانون الطبيعي والعمل في اتجاهه وليس العمل ضده.
وهي بالمثل اكتشاف قوانين الجسم والنفس والروح والعمل في اتجاهها بالأخلاق واحترام الآخرين
والتدين وطاعة القوانين.
أما القارئ الذي يتحداني قائلاً:
* * *
هل اخترت شكلك وطولك وعرضك..
فأني أقول له لم أختر شكلي ولا طولي ولا عرضي..ولا أرى هذه الأشياء قيوداً على حريتي..بل أراها
على العكس أدوات حريتي.
فالجسم هو أداة الإرادة في بلوغ أغراضها.
وهو لا يكون قيداً إلا في حالة المرض فإنه يتحول إلى سجن ولكن الله أعطانا العقل لنتغلب على أمراضنا
بالتداوي والجراحة.
ونحن نتقدم في هذه الميادين كل يوم.
ويبقى بعد ذلك اللغز الأزلي..في علاقة الإنسان بالله..كيف يكون الإنسان حراً و هو من أمر الله و كل
ما يفعله بقضائه و قدره , ثم كيف يحاسب بعد ذلك و أخطاؤه مقدورة عليه .
و هو لغز القدر الذي حثت الأديان على البعد عن الخوض فيه لأن الجواب لا يمكن أن يأتي إلا مكاشفة و إلهاماً عن طريق القلب و ليس العقل .. و لأن المعول فيه على إيمان المؤمن لا فلسفة الفيلسوف .. لأن
العقل فيه لا يجدي و الفلسفة لا تنجد .
و إنما لا بد أن يشف القلب و ترق الحواس لترتفع الحجب و يستطيع الإنسان أن يرى بعين البصيرة و
ليس بعينه البشرية و يتجاوز سجن الواقع المحدود بالأسباب و المسببات ليطل على ما وراءه .
لأن الجواب الكامل يحتاج إلى معرفة علاقة الروح بخالقها و هو أمر محجوب .
و لكن هناك كلمات قليلة يمكن أن تقال كدليل طريق .
فالإنسان حر هذا صحيح و لكن حريته مخلوقة أي مقدورة عليه ..
و هذا أشبه بأن نقول أنه محكوم عليه بالحرية مضطر للاختيار و هذا يضعه في منزلة بين منزلتين .
فهو ليس حراً حرية الله المطلقة .
و هو ليس مقهوراً مسيراً مجبوراً جبر المادة العمياء .

أي أنها لا بد أن تأكل الحطب حتماً فلا يمكن أن تكون مسؤولة .
و المادة كلها ترسف في هذه الحتميات .
و الإنسان ليس ميسراً لهذه الدرجة .
و لا هو حر حرية الله المطلقة .
إنما هو في مترلة بين المترلتين .
فهو مخير فيما يعلم , مسير فيما لا يعلم .
أو هو بكلمة أدق مخير مسير في ذات اللحظة و هذا هو ما نسميه بالحرية البشرية و لهذا أيضاً فهو
مسؤول بدرجة و ليس مسؤولاً بشكل مطلق .
فكما أن القاضي يحكم و يدخل في اعتباره الظروف و الدواعي و المغريات و الضغوط النفسية فيخفف و
يشدد بناء على هذه الاعتبارات .. كذلك يحكم القاضي الأزل الذي الذي لا يخفى عليه شيء .
و لكن لن يكون الإنسان غير مسؤول لأن مقامه ليس مقام المادة العمياء ..
و الله لا يأمر الظالم أن يظلم ..
و إنما هو يعلم أنه سوف يظلم بحكم أنه محيط بكل شيء علماً .
و فارق بين سبق العلم و بين الإكراه .
الله أعطانا الحرية و هو يعلم منذ الأزل ماذا سنفعله بهذه الحرية .
و هو الذي يقول لنا أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
و يقول لنبيه . لا إكراه في الدين ..
لأنه لا يتدخل و لا يحب لأحد أن يتدخل بإكراه النفوس على غير طبائعها لأن ذلك يتنافى مع قدسية
الحرية التي أرادها لها .
إذن الحرية حقيقة ..
و لأن هذه الحرية هي إرادة الله فهي جبر و اختيار في ذات الوقت .
و إنما تكون الرحمة الإلهية بأن تجد النفس تيسيرات من جنس طبعها ((كل إنسان مسير لما خلق له)) .
و لهذا لا يتنافى التدخل الإلهي مع الحرية بل يؤكدها .
إن كل نفس تجد جميع الظروف ميسرة لتفصح عن مكوناتها و تحقق ذاتها بالخير و الشر .. لتكون كما
هي ..

يريد المكروه .
و لكن قضت عدالته بعد ذلك أن يختار من يحب لما يحب و أن يختار من يكره لما يكره .. فاختار الشرير
للظلم و الخير للعدل ..
و لو أنه اختار الشرير ليعدل و الخير ليظلم .. لانقلب الميزان و هذا مستحيل في حقه فهو كامل في
عدالته .
هذه مجرد إشارات .. أما كمال العلم فهو من أمور البصيرة .. و مما لا تنفع فيه الكلمات العادية المبتذلة
التعبير .
و كشف جميع جوانب اللغز و إدراك معقولية التناقض .. و كيف أن ((الإنسان مخير مسير)) في ذات
اللحظة .. ه رهن بالمجاهدة و انفتاح القلب و شفافية الروح و ليس من علوم الكلام .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.